You are currently viewing التعليم في شمال غرب سوريا بين الخصخصة والتعليم الحكومي
التعليم في شمال غرب سوريا
man
مصطفى زنكلو
إدلب

دمرت الحرب الطاحنة في سوريا كل مجالات الحياة ومن بينها التعليم، فهناك الآلاف من المدارس العامة دمرت كلياً او جزئياً، ولم يعد التعليم من أولويات السياسات الحكومية ولا حتى من أولويات بعض الاسر التي باتت تبحث عن لقمة العيش والأمن والاستقرار بالدرجة الأولى، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة أضعاف مضاعفة عما كانت عليه قبل الحرب، ما ساهم بانتشار الجهل والأمية والتسرب المدرسي. إلى جانب ذلك فإن العامل الاقتصادي لعب دوراً رئيساً في تسرب الأطفال من المدارس لعدم قدرتهم على شراء مستلزمات الدراسة، كما أن الصدمات النفسية قللت من مستوى الأولوية المعطاة للتعليم.

ولطالما كان التعليم من أهم وأكبر مآسي الحروب على المدى القريب والبعيد، إذ أن الحرب تدمر دور العلم وتخلق تغييرا ديمغرافيا في السكان غير محسوب مسبقاً، كما تخلق حركات النزوح الفجائية والمستمرة من مناطق ساخنة إلى مناطق أخرى آمنة نسبياً اكتظاظا سكانيا في مناطق أخرى. هذا الواقع أدى الى عدم قدرة المدارس على استيعاب الكم الهائل لآلاف الطلاب النازحين، في حين أن مدارس أخرى كانت فارغة بسبب هجرة أبنائها أو أصبحت غير مؤهلة لاستقبال طلابها بفعل التدمير.

لجوء الطلاب إلى التعليم الخاص

أحمد تاني أحد طلاب مدرسة بنيان العلم الخاصة في بلدة سرمدا قال إنه لم يكن أمامه من خيار إلا اللجوء إلى التعليم الخاص، لعدة أسباب من وجهة نظره أبرزها وجود أعداد قليلة من الطلبة في القاعات التعليمية. فضلا عن توفر كافة المتطلبات اللوجستية للعملية التعليمية مثل (شاشات عرض- أجهزة اسقاط – دمى للتطبيقات العملية – مقاعد مريحة – أجهزة حاسوب …..).

وأضاف في حديثه عن الأسباب أن الأساتذة المتميزون تجدهم اليوم في المدارس الخاصة، كما أن الأنشطة التعليمية كورش العمل وغيرها، والمتابعة السريعة من قبل الإدارة لكلا الطالب والمدرس بان واحد، والأنشطة الترفيهية التحفيزية التي تلعب دورا كبيرا في كسر الروتين اليومي للطالب وتحسين حالته النفسية تكون حاضرة بشكل أكبر في المدارس الخاصة، الأمر الذي ينعكس ايجاباً على الطالب وبالتالي تجعل الروابط بينه وبين المدرسة أقوى.

ورأى الطالب أن المدارس الخاصة تحوي مواد أخرى غير موجودة في المدارس العامة كالحساب الذهني والمعلوماتية وأوردوينو، كما أن إعطاء بعض المدرسين للمادة العلمية في المدارس الخاصة أفضل منه في المدارس العامة، بسبب المتابعة والتقييمات الدورية من قبل الإدارة، أو لأسباب أخرى قد تتعلق بالماديات حسب قوله.

ونوه “تاني” إلى أن المدارس الخاصة تسعى لمواكبة تطور التعليم بشكل مستمر من خلال ادخال طرق التعليم الحديثة وخلق نوع من التحفيز للطالب من خلال اشراكه في نشاطات عملية أثناء إعطاء الدرس من خلال ورش العمل وحلقات البحث التي يقدمها الطالب واجراء تطبيقات عملية على بعض المواد عكس المدارس العامة التي تركز على جهد المدرس بشكل أكبر ويتم إعطاء الدروس بشكل تقليدي أشبه بعملية الالقاء مما يخلق جوا من الملل لدى الطالب ويسبب التعب للمدرس ايضاً .

تكاليف مرهقة للآباء.

أبو محمود أحد أولياء الطلاب في المدارس الخاصة أكد لنا أن التعليم الخاص بات عبئاً ثقيلاً على الكثير من الأهالي، لكنه سعيد لأنه رأى ولده محمود تحسن كثيراً بعد أن نقله من التعليم العام إلى التعليم الخاص، وشعر أن المدرسة الخاصة التي يدرس فيها ابنه حملت معه جزءا كبير من أعباء المسؤولية والمتابعة، هذا فضلا عن وجود عدة مزايا يتفوق بها التعليم الخاص على العام من وجهة نظره من أهمها التقارير التي تصل اليه وبشكل دوري عن وضع ولده محمود، والتواصل الفوري من قبل الإدارة في حال وجود أي ملاحظة على ولده من تأخر وعدم تحضير للدروس أو تغيب.

ولفت إلى ناحية هامة بنظره وهي تأمين التدفئة في المدارس الخاصة في فصل الشتاء، والاجتماعات الدورية التي تجريها المدارس الخاصة مع أولياء الأمور، وهي عوامل جعلت العم أبو محمود يشعر بالارتياح والاطمئنان على ولده بشكل أكبر بحسب قوله.

أسباب تدفع المدرسين نحو الخاص.

من جانبه أجاب الأستاذ صلاح الدين حمزة عن أسباب اختياره المدارس الخصوصية للتعليم على حساب المدارس الحكومية بالقول إن هناك أسبابا تتعلق بفائدة للطالب والمدرس بآن واحد من أهمها أن المدارس الخاصة تسعى وبشكل دائم الى رفع السوية التعليمية للمعلم من خلال الدورات التي تقيمها المدارس الخاصة مثل (طرائق التدريس – الإدارة الصفية –) من أجل مواكبة التطور، وتحديث طرق التدريس لدى المعلم لمواجهة المنافسة مع المدارس الاخرى.

وأكد أن العامل المادي يلعب جانبا مهما حيث أن الراتب في المدارس الخاصة أعلى منه في العامة، هذا فضلا عن كونه شهريا، وبالتالي ينعكس بشكل إيجابي على نفسية المعلم الذي يستطيع أن يؤمن احتياجاته الأساسية، وبالتالي ينعكس إيجابيا على الاعطاء في القاعات المدرسية لان المدرس أصبح مكتفٍ مادياً وبالتالي أكثر تفرغاً للتعليم.

وأشار المدرس إلى أن المدارس الخاصة تؤمن احتياجات المعلم للعملية التعليمية، وبسرعة لإنجاح الحصة الدراسية من سبورة ذكية وشاشة عرض، وجهاز إسقاط، والذي يوفر جهدا كبيرا على المدرس بينما المدارس العامة تفتقر إلى ذلك.

ونوه إلى أن أعداد الطلاب في صفوف المدارس العامة قد يصل بالقاعة ل 45 طالب بالقاعة التدريبية بينما يصل العدد في الخاصة ل 15 أو 20 طالباً على الأكثر، وهذا يعين المدرس لإعطاء الدرس بشكل أفضل وينعكس ايجاباً على الطالب نفسه، إذ تنخفض نسبة الاستفسارات والوقت المهدور ويوفر جهدا أيضاً على المدرس، كما أن الصفوف النموذجية الملائمة لإعطاء الدروس تتوفر في المدارس الخاصة وتغيب في المدارس العامة، هذا فضلا على أن المدرسون في المدارس الخاصة يتم انتقاؤهم بعناية وفق سلسلة إجراءات كالمقابلة والفحص الكتابي والسمعة وغير ذلك من الإجراءات التي تلي عملية التعيين كالمتابعة والتقييم المستمر عن طريق استبيان رضى يرسل الكترونيا ًعبر الوتس إلى الأهالي لمعرفة الملاحظات على المدرسين والإدارة بشكل عام ومقترحات الأهالي لتطوير العملية التعليمية بحسب المدرس.

تفاؤل بتحسن التعليم العام

من جانب آخر رأى الأستاذ مصطفى (مدرس بأحد المدارس في التعليم العام في الشمال السوري رفض الكشف عن هويته خشية المساءلة) أن التعليم العام يسير نحو الأفضل وذلك من خلال سعي الحكومة لترميم أغلب المدارس وتجهيزها بالكهرباء ولوحات تعليمية بإشراف مباشر من قبل وزارة التربية وتنفيذ من قبل المنظمات الإنسانية.

وأشار إلى أن الأساتذة المتطوعون تم دعمهم على الصعيد المادي، ولم يبق مدارس فيها مدرسون يعملون بشكل طوعي.

وردا على سؤال حول تزايد المدارس الخاصة أكد الأستاذ مصطفى أن ذلك الأمر كان بسبب ضعف الدعم المقدم للكثير من المدارس الحكومية، حيث كانت المنظمات تكتفي بدعم عدد محدود من المدارس، بالإضافة الى استقطاب المدرسين المتميزين من قبل المدارس الخاصة بسبب هذا الوضع في المدارس العامة.

لكن ورغم ذلك يرى الأستاذ مصطفى أن هناك مجالات تتفوق بها المدارس الخاصة على العامة من خلال إدخالها لمواد جديدة لا تتوفر في المدارس العامة كالحساب الذهني ومادة الحاسوب التي باتت ضرورية في مجتمعنا وغيرها من المواد.

وأكد ان تطور التعليم الخاص على حساب التعليم العام كان في فترة معينة شهدت خلالها المدارس العامة حالة من عدم الاستقرار في الكوادر بسبب عدم وجود جهة معينة تتتبع المدارس العامة، والتي يصل عددها الى المئات في حين تكون تبعية هذه المدارس جميعها لجهة واحدة الامر الذي له ميزات إيجابية، ولكن أخرى سلبية كعدم القدرة على منافسة المدارس الخاصة.

ويعتبر الأستاذ مصطفى أن من أسباب تفوق التعليم الخاص على العام هو عدم دعم الثانويات والاكتفاء بدعم المدارس الابتدائية، مما أدى الى اضطرار الأهالي لتسجيل أبنائهم في الثانويات الخاصة كونها تشكل أهم مرحلة للطالب، وقد تم استدراك هذه الناحية حيث عملت مديرية التربية مؤخراً على الغاء عدة ثانويات والتركيز على ثانويات مركزية في الأماكن المكتظة بالسكان وتم دعمها بشكل جيد وتأمين مدرسين ذات قدرات عالية، حيث تشهد هذه الثانويات اقبال طلابي عليها بالإضافة الى تفعيل المحاسبة والرقابة على العملية التعليمية في هذه المدارس.

ورداً على سؤال يتعلق بنوعية المدارس التي يرغب أستاذ مصطفى تسجيل أبناؤه فيها قال وبلا تردد أنه يفضل المدارس الحكومية المستقرة من حيث الكوادر والمتابعة بشكل جيد من قبل الحكومة.

ونوه الأستاذ الى أن المدارس الخاصة ذاع صيتها نتيجة تسليط الأضواء من خلال توظيف الإعلام عليها لجذب الطلبة، ومن أجل القدرة على الاستمرارية ومواجهة المنافسة الشديدة من قبل المدارس الخاصة الأخرى، وكونها مشاريع ربحية تهدف الى الربح أكثر من التعليم.
خطوات لتحسين التعليم الحكومي.

وفيما يتعلق بموضوع الرقابة كشف الأستاذ مصطفى عن تشكيل جسم إداري مؤخراً من قبل وزارة التربية مهمته متابعة المدارس العامة، واجراء تقييمات للمدرسين، حيث أصبح في مديرية التربية توجيه إداري – توجيه تربوي – موجهين اختصاصيين مهمتهم إجراء زيارات للمدارس واجراء التقييمات المطلوبة، هذا بالإضافة إلى تحديد الفجوات التدريبية للمدرسين واقتراح دورات تهدف الى رفع سوية المدرس ودورات للإداريين لرفع سويتهم أيضا وبالتالي الأمور تسير نحو الأفضل على المدى البعيد على حد تعبيره.

وأخيرا لابد من التنويه أنه وقبل الحرب كان هناك فارق واضح وفجوة ما بين التعليم الخاص والتعليم العام وكانت الحرب بمثابة الأرضية الخصبة التي هيئات الظروف لتوسيع هذه الفجوة بشكل كبير نتيجة ما خلفته من كوارث على جميع الأصعدة في المجال التعليمي.

“تم إنتاج هذه المادة من خلال مشروع ربط طلاب الإعلام بسوق العمل الحائز على جائزة (ivlp impact) ضمن مشروع الزائر الدولي التابع لوزارة الخارجية الأميركية”.

شارك نسائم

اترك تعليقاً